| |

الباحث في الأزمات


Deprecated: Using null as the key parameter for array_key_exists() is deprecated, use an empty string instead in /var/www/blog.souqwp.xyz/wp-content/plugins/kadence-blocks-pro/includes/dynamic-content/class-kadence-blocks-pro-dynamic-content.php on line 1295

الباحث في الأزمات

د. آلاء عادل العبيد

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أسأل الله أن يحفظكم بحفظه، وأن يستعملنا في طاعته، وأن يختم لنا شهر رمضان برضوانه والعتق من نيرانه، وأن يعجل برفع البلاء عن الأمة، كنت في حديث مع طالبات مرحلة الدكتوراه حول طبيعة الطريق العلمي، وكيف يتعامل الباحث مع الظروف الضاغطة التي قد تعترض مسيرته، فرأيت أن أحوّل بعض تلك المعاني إلى كلمة موجهة لمعاشر الباحثين؛ لعلها تكون تذكرة نافعة في زمن تتكاثف فيه التحديات.

فالأزمات ليست عارضًا نادرًا في حياة الإنسان، بل هي جزء من سنن الله الجارية في خلقه، يبتلي بها القلوب، ويختبر بها العزائم، ويُظهر بها معادن النفوس. وقد قرر القرآن هذه الحقيقة بعبارة موجزة جامعة، فقال سبحانه: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]، وهذا الضعف ليس ضعف الجسد وحده، بل ضعف الهمة حين تفتر، وضعف الإرادة حين تتردد، وضعف العزيمة حين تتكاثف الهموم. فالإنسان بطبيعته محدود الطاقة، سريع التأثر بالظروف، تضيق نفسه عند الشدائد، وقد يبلغ به الضيق مبلغًا يظن معه أن الآفاق قد انغلقت، مع أن رحمة الله أوسع، وأقداره أعمق حكمةً مما يراه بعين اللحظة،

وقد عبّر القرآن عن هذه الحالة النفسية العميقة في قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا عن غزوة تبوك، فقال سبحانه: ﴿حَتّىٰ إِذَا ضاقَت عَلَيهِمُ الأَرضُ بِما رَحُبَت وَضاقَت عَلَيهِم أَنفُسُهُم وَظَنّوا أَن لا مَلجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلّا إِلَيهِ﴾ [التوبة: 118].

وهذه الآية من أدق ما وصف به القرآن حال الإنسان حين يشتد عليه الحزن والضيق؛ فالأرض في حقيقتها لم تضق، بل هي واسعة كما كانت، ولكن الضيق وقع في النفس حتى انعكس على شعور الإنسان بالعالم من حوله. فالمكان هو المكان، لكن القلب إذا أثقله الهمّ شعر أن الآفاق قد انغلقت، وأن المساحات الواسعة أصبحت كأنها ضيقة لا متسع فيها.

ولذلك عبّر القرآن تعبيرًا بديعًا بقوله: ﴿وضاقت عليهم أنفسهم﴾، فكأن الضيق الحقيقي لم يكن في الأرض، بل في داخل الإنسان نفسه. فإذا ضاقت النفس ضاقت معها الدنيا، وإذا انشرح الصدر عاد للإنسان إحساسه بسعة الحياة مهما كانت الظروف، ومن لطائف هذه الآية أن الله ختمها بقوله: ﴿وظنّوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه﴾؛ فحين يبلغ الضيق منتهاه، لا يبقى للإنسان ملاذٌ حقيقي إلا الرجوع إلى الله. ومن هنا يبدأ الفرج؛ لأن القلب إذا عاد إلى ربه انفتحت له أبواب السكينة، وعادت الدنيا إلى سعتها التي خلقها الله عليها.

والوحي حين قرر ضعف الإنسان، لم يتركه في دائرة العجز، بل دلّه على مصدر القوة؛ فالقوة الحقيقية ليست في الإنسان نفسه، بل في اتصاله بربه، واستمداده العون ممن بيده ملكوت كل شيء. قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3]. فإذا أدرك الإنسان هذا المعنى، علم أن الضعف البشري ليس نهاية الطريق، بل بدايته؛ لأن من عرف عجزه لجأ إلى من لا يعجزه شيء.

وحين نتأمل سيرة النبي ﷺ وصحابته الكرام رضي الله عنهم، نجد أن الرسالة لم تتوقف عند الشدائد، بل كانت الشدائد ميدانًا لتجليها، وهذه السنة العظيمة ترسم للباحثين منهجًا واضحًا: أن العمل الصالح – وفي مقدمته طلب العلم – ليس نشاطًا مؤجلًا إلى زمن الصفاء، بل هو من أعظم وسائل الثبات حين تضطرب الظروف، وتشتد المحن.

وقد جمع النبي ﷺ هذا المعنى في قاعدة بليغة حين قال: “احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز” ففي هذا الحديث ثلاث دعائم: الحرص، والاستعانة، وترك العجز. وهي أركان الاستمرار والنجاح، خصوصًا في أوقات الاضطراب.

إن النفس إذا أُفرغت للهم، تضخم الهمّ في داخلها، واتسعت مساحته حتى يطغى على الرؤية، أما إذا شُغلت بما ينفع، انحسر القلق، وتقلص أثره. ومن هنا كان طلب العلم من أعظم ما يحفظ التوازن الداخلي؛ لأنه يربط الإنسان بالمعنى، ويخرجه من دائرة الألم الشخصي إلى دائرة النفع العام.

وقد كان العلماء عبر التاريخ يدركون هذه الحقيقة؛ فكانوا يرون في العلم ملاذًا للنفس قبل أن يكون ميدانًا للمعرفة. لأنه يفتح للعقل أفقًا، وللقلب سكينة، وللإنسان رسالة تتجاوز حدود ظرفه الآني.

إن الأمة لا تبنى بكثرة الكلمات، بل بثبات النماذج، فإذا رأى طلاب العلم أساتذتهم يثبتون في الأزمات، ولا ينقطعون عن رسالتهم، تولّد فيهم معنى الاستمرار، وترسّخ في وجدانهم أن العلم ليس ترفًا فكريًا، بل عهدًا ومسؤولية.

والقدوة الصامتة – التي تعمل في صمت وتثبت في الشدائد – أبلغ أثرًا من كثير من الخطب؛ لأنها تقدم المثال الحي الذي يرى فيه الناس إمكانية الثبات، لا مجرد الدعوة إليه.

وإذا كان هذا المعنى مطلوبًا في كل زمان، فإنه في شهر رمضان آكد وأجدر بالاستحضار؛ لأن رمضان ليس موسم عبادة فحسب، بل موسم إحياء الهمم وتجديد العزائم.

رمضان مدرسةً عملية لإعادة ترتيب الأولويات، وتحرير الإنسان من أسر العادات الثقيلة، وإيقاظ طاقاته الكامنة. ففيه يتعلم المؤمن أن الزمن – إذا أُحسن تنظيمه – يتسع لما كان يظنه مستحيلًا.

ومن الأمثلة الدالة على ذلك أن قراءة جزءٍ من القرآن لا تستغرق – في المتوسط – أكثر من نصف ساعة؛ أي أن ختم المصحف كاملًا يحتاج إلى نحو خمس عشرة ساعة من القراءة الصافية. فإذا خصص المرء خمس ساعات يوميًا، أمكنه أن يختم في ثلاثة أيام فحسب، وهذه الحقيقة الزمنية ليست مقصودة لذاتها، بل لما وراءها من دلالة: أن الإنجازات العظيمة هي ثمرة الساعات والأوقات الضائعة حين تدار بوعي وهمّة.

وعلى المستوى الشخصي، أذكر إني مررتُ قبل فترة بتجربة ضاغطة شعرتُ معها – في لحظة بشرية صادقة – أن النفس تضيق، وأن الهمّ يثقل القلب، ولم يكن ذلك إلا تجليًا لما قرره القرآن من ضعف الإنسان، وكان الإنسان في مثل هذه اللحظات بين خيارين: إما أن يستسلم لثقل الهموم فيتوقف عطاؤه، وإما أن يستعين بالله ويجعل من العمل النافع طريقًا للخروج من الضيق، فاخترت الطريق الثاني، لا ثقةً بالنفس، بل ثقةً بالله؛ فانشغلت بالعمل العلمي والتحكيم الأكاديمي، حتى يسّر الله لي تحكيم ما يزيد على سبعين بحثًا خلال مدة متقاربة، ولم أكن وليس من عادتي في الظروف العادية القيام بهذا الكم من الإنجاز في الأوضاع الطبيعية فكيف بالأزمات! شعرت حينها أن الهم الذي يجيء به الشيطان بين فترة وأخرى ليحزن بني آدم قد يزول تدريجيًا حين يتحول الألم إلى عمل، ويُعاد توجيه الطاقة نحو ما ينفع الناس. فمع الأيام انزاح شيء من ثقل النفس، واتسع الأفق بعد أن كان ضيقًا، وتبدلت زاوية النظر إلى الأمور.

إن الإنسان ضعيف بطبعه، لكن الله جعل له أبوابًا من القوة إذا أحسن طرقها: باب التوكل، وباب العمل الصالح، وباب طلب العلم، والباحث حين تضيق عليه الدنيا، لا ينبغي أن يغلق مشاريعه العلمية، بل أن يفتحها أكثر؛ لأن في العلم نورًا يبدد ظلمة القلق، وفي العمل الصالح سكينة تعيد للنفس توازنها.

وإذا كان هذا المعنى مطلوبًا في كل زمان، فإنه في شهر رمضان آكد وأجدر بالاستحضار؛ إذ هو شهر تجديد الهمم، وإحياء العزائم، ومضاعفة الأجور.

فليجعل الباحث من هذا الموسم المبارك فرصة لتجديد نيته، وإحياء رسالته، واستئناف مسيره العلمي بروح أقوى وعزم أصدق، مستحضرًا أن ما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل.

نسأل الله أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه، وأن يبارك في أوقاتنا، وأن يكتب لنا ولطلاب العلم التوفيق والثبات والقبول.

موضوعات ذات صلة